عبد القادر الجيلاني
331
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
الجناب مجذوب قد ظهر عليه الشوق وغلب إذ قد وجد ما طلب قد قطع الطريق وطواها وأزال نفسه ونحاها ومحا الأكوان من نظره فما يراها . ومنه الزهد فريضة وفضيلة وقربة فالفريضة في الحرام والفضيلة في المتشابهة والقربة في الحلال والزهد أعم من الورع لأن الورع اتقاء الكل والزهد قطع الكل وعلامة الإخلاص أن يغيب عنك الخلق في مشاهدة الحق وبقاء الأبد في فنائك عنك ومن سكن بسره لغير اللّه تعالى نزع الرحمة من قلوبهم عليه وألبسه لباس الطمع فيهم ، وكان كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات : من أظهروه على سرّ وباح به * لم يطلعوه على الأسرار ما عاشا وأبعدوه فلم ينعم بقربهم * وأبدلوه مكان الإنس إيحاشا لا يصطفون مذيعا بعض سرّهم * حاشا جلالهم من ذلكم حاشا قال الشيخ محمد ابن سيدنا الشيخ علي بن وهب المشار إليه فيه رضي اللّه عنهما كان في زمن والدي رجل من أهل همدان يسمى الشيخ محمد بن أحمد الهمداني فقد حاله وتوارث عنه أحواله وصفاته وكان من بعض أحواله أن بصيرته ترى من الملكوت إلى العرش فطاف البلاد فلم يرد عليه أحد حاله فجاء إلى الشيخ فتلقاه وأكرمه وقال له : يا شيخ محمد أنا أرد عليك حالك بزيادة ثم أمره أن يغمض عينيه فأغمضها فرأى من الملكوت الأعلى إلى العرش ثم قال له : هذا حالك وسأزيد اثنين ثم أمره أن يغمض عينيه فأغمضهما فرأى من الملكوت الأسفل إلى البهموت فقال له : هذه واحدة وأما الأخرى فقد أعطيتك قدما تمر بها إلى جميع الآفاق فرفع إحدى رجليه وهو عند الشيخ ووضع الأخرى بهمدان من بركته رضي اللّه عنه . قال وورد عليه جماعة من الفقراء واشتهوا عليه حلوا فدخل إلى داره وأخذ قشر رمان ووضعه بين أيديهم بعد أن أوقد عليه النار وصبه في إناء وأخرجه إليهم فأكلوا حلوا من أحسن حلوى الدنيا وأطيبها وألذها . وأتى رجل مغربي اسمه عبد الرحمن إلى الشيخ رضي اللّه عنه ووضع بين يديه سبيكة من فضة وقال : يا سيدي هذه من صنعتي للفقراء ، فقال الشيخ لمن حضر عنده من الفقراء : من عنده آنية من نحاس فليأتني بها فأتوه بأوان كثيرة وجعلت في وسط الزاوية فقام الشيخ ومشى عليها فصار بعضها ذهبا وبعضها فضة إلا طاستين ثم قال الشيخ لأصحاب الأواني : من له آنية فليأخذها فأخذوها ذهبا وفضة ثم قال لعبد الرحمن يا بني إن اللّه تعالى قد أعطاني هذا كله وتركناه ولا حاجة لنا فيه خذ سبيكتك ثم سئل عن سبب اختلاف الآنية فقال : من أتى بآنيته ولم يكن في نفسه حرج صارت آنيته ذهبا ومن وجد في نفسه بعض حرج